عمران سميح نزال

86

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

النزول ومعرفة المكي والمدني وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وكل العلوم التاريخية المتعلقة بالقرآن الكريم . لقد بيّن المولى عز وجل في سورة الإسراء طريقة قراءة القرآن الكريم ، بأنها قراءة تعليمية وتنزيلية ، فقال : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) ، فهذه طريقة القراءة القرآنية الأولى ، ولكن التفريق لا يعني التشتيت ، فمن الممكن أن تنزل السورة الواحدة مفرّقة ومرتبة الآيات كما هي في المصحف الإمام ، وهو ما أسميناه بالمناسبة التنزيلية ، أي أن نزول القرآن الكريم كان مفرقا حتى يقرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على الناس على مكث وتدريج ، ويكون تعليمهم على مكث وتدرّج ، ولا يلزم عن ذلك بالضرورة أن يكون نزول الآيات من سور عديدة في وقت واحد ، أو أن تنزل آيات مكية في سور مدنية أو العكس ، وإذا قيل ذلك فلا بد أن يثبت بالدليل القاطع ، إذ الأصل أن يكون تاريخ نزول الآية هو تاريخ نزول سورتها ، وهذا مأخوذ من معنى الترتيل كما سبق بيانه ، فلا يقال بتاريخ نزول آية منفصلة عن سورتها إلا بيقين ، فالوحدة التاريخية هي للسور كما كان التحدي القرآني للمشركين أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو أن يأتوا بعشر سور أو بسورة من مثله ، ولم يأت التحدي أن يأتوا بآية أو بآيات من مثله ، لأن السورة وحدة واحدة كما هي في المصحف الإمام ، وهذا معنى عظيم يجب التنبّه له في فهم القرآن وتفسيره . ولذا فإن هذا الاتجاه في التفسير ليس من الاتجاهات المبتدعة ، فقد عرّفه المفسرون قديما ، من يوم اجتهدوا في ترتيب النزول ، ولا علاقة لشبهات المستشرقين حول تاريخ القرآن بهذه الدراسات التاريخية الإسلامية ، بل لا يجوز أن تتخذ تهمة الاستشراق ضد كل دراسة قرآنية مجددة « 1 » ، وبالأخص إذا كانت تهدف إلى التجديد في كشف معاني القرآن الكريم وبيان منهجيات علمية مستجدّة قادرة على مواصلة فتح أبواب العلوم القرآنية بما يناسب العصر ويحقق الهداية للناس كافة . وفي تقديرنا أنه لو واصل العلماء الاجتهاد في ترتيب النزول بعد القرن الأول والثاني للهجرة ، ولو واصلوا التفكير العقلي بمعاني التنزيل ومساقاته العلمية سنة بعد

--> ( 1 ) انظر : منهجية البحث في التفسير الموضوعي ، الدكتور زياد الدغامين ، ص 104 .